ابن كثير

15

البداية والنهاية

فالتقوا في العشر الأواخر ( 1 ) من رمضان ، فلما كان الليل بيت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره ، فجاؤوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجوده غير محترز - وكان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل - فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوارج عبد الرحمن بن مخنف وطائفة من جيشه وهزموهم هزيمة منكرة ، ويقال إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان ، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله من الخوارج ، وحملت الخوارج على جيش المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى معسكره ، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل ، والرجال بعد الرجال ، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل ، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل ، وقتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه ، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه ودفنه وكتب إلى الحجاج بمهلكه ، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى ، وأمر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء ، وكتب إليه أن يطيع المهلب ، فكره ذلك ولم يجد بدا من طاعة الحجاج ، وكره أن يخالفه ، فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهرا ويعصيه كثيرا ، ثم تقاولا فهم المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس ، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكوا المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه وأعفاه من ذلك ، وجعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب . وفيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة ، فوجه إليه الحجاج أميرا على سرية فقتله . قال ابن جرير : وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس ، وكان يرى رأي الصفرية ( 2 ) ، وقيل إنه أول من خرج من الصفرية ، وكان سبب ذلك أنه حج بالناس في هذه السنة ومعه شبيب بن يزيد ، والبطين وأشباههم من رؤوس الخوارج ، واتفق حج أمير المؤمنين عبد الملك فهم شبيب بالفتك به ، فبلغ عبد الملك ذلك من خبره بعد انصرافه من الحج ، فكتب عبد الملك إلى الحجاج أن يتطلبهم ، وكان صالح بن مسرح هذا يكثر الدخول إلى الكوفة والإقامة بها ، وكان له جماعة يلوذون به ويعتقدونه ، من أهل دارا وأرض الموصل ، وكان يعلمهم القرآن ويقص عليهم وكان مصفرا كثير العبادة ، وكان إذا قص يحمد الله ويثني عليه ويصلي على رسوله ، ثم يأمر بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، ويحث على ذكر الموت ويترحم على الشيخين أبي بكر وعمر ، ويثني عليهما ثناء حسنا ، ولكن بعد ذلك يذكر عثمان فيه وينال منه وينكر عليه أشياء من جنس ما كان ينكر عليه الذين خرجوا عليه وقتلوه من فجرة أهل الأمصار ، ثم يحض أصحابه على الخروج مع الخوارج للامر

--> ( 1 ) في الطبري 7 / 215 : في أول رمضان وفي رواية فيه : وفي ابن الأثير لعشر بقين من رمضان يوم الأربعاء . ( 2 ) قال في الفرق بين الفرق ص 61 : هؤلاء أتباع زياد بن الأصفر وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون ، وكل ذنب ليس فيه حد ، وان المؤمن المذنب يفقد اسم الايمان في الوجهين جميعا . والصفرية يقولون بموالاة عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير واتباعهما من المحكمة الأولى .